محكمة الغرباء

محكمة الغرباء

الأيام التي استيقظ بها لفهم معنى من معاني الحياة كثيرة .. أحد هذه الأيام كانت ليلة الأمس حيث كنت بمقهى غير اعتيادي لا يشابه أقرانه من المقاهي فهو في زاوية الشارع ومدخله غير واضح للجميع ومكتوب على مدخله (للنساء فقط)

فهذا المقهى أكثر ما يميزه غير لافتة “للنساء فقط”  نوافذه الكبيرة التي من خلالها يدخل ضوء الشمس الذي يملأ المكان بالدفء ، وعلى قدر اتساع المقهى فإنه لا يوجد به سوى شخصين إحداهما فتاة متأنقة ترتدي نظارتها وحولها مجموعة من الكتب وتتناول وجبتها الفكرية من القراءة فهذه النهمة تحتاج بأن تكون بمزاج أكثر تركيزاً لتتلذذ بما تقرأ لذلك كان الصوت الوحيد بالمكان هو صوتها قائلةً لو سمحتِ : أحتاج كوب آخر من القهوة ، والفتاة الأخرى كانت تجلس بهدوء بزاوية المقهى تحتسي قهوتها وتستمع الى الموسيقى ويبدو بأنها في حالة انتظار ، أما أنا  فكنت الشخص الثالث الذي يمشي وهو ينظر هنا وهنا  لهذه الرتابة التي لا تناسبني  بالعادة عند محاولتي للاختلاء بنفسي فتوجهت إلى الطاولة رقم ٣٦  وجلست في الهواء الطلق منتظره شخص غريب لا أعرف عنه سوى اسمه وشكله فقط .. وغريبي هذه المرة لن يصعب عليكم تخمين هويته بكون هذا المكان محظور لغير النساء ولكن هي ليست من النساء الممكن ملاحظتهن فهي تدخل للمقهى بخطوات بطيئة وخفيفة حتى لا تثير أي انتباه تتقدم نحوي وهي تنظر بعين الفضول لاكتشاف المجهول وعند وصولها لطاولتي تسلحت بأخطر الأدوات التي يتسلح بها الغرباء لإيقاع فرائسهم الابتسامة.

طلبت منها الجلوس فرحبت بذلك وسألتها ماذا تريد أن تشرب فأصرت بعدم رغبتها بأي شيء وهنا أطلقت المرأة السفسطائية التي بداخلي والتي ترفض بأن يتم انتهاك أهم قواعدها للحديث مع الغرباء “شرب القهوة” فذلك يمكنني من معرفة الحالة المزاجية لهذا الغريب وما هو الموضوع المناسب لمناقشته، فضحكت قائلة: لقد شربت قهوة المساء مع أسرتي وبعد إلحاح مني طلبت شراب النعناع!! أهنئها لاختيارها هذا المشروب فالحديث معي يحتاج أن يكون المرء فيه هادئ الأعصاب.

فبدأت بسؤالي بابتسامه أخبريني من أنتِ؟ أسندت ظهري على الكرسي وشبكت يداي ببعضهما وقلت أي شخص تودين معرفته؟ فأنا أحمل بداخلي الكثير من الأشخاص. فابتسمت ابتسامة رضا ترحب بجميع أشخاصي فأحسست حينها بأن هذا الشخص الغريب مختلف عن الكثير من الغرباء الذين أتحدث معهم فكانت حفاوة استقبالها لمناقشة المجهول يستحق أن أخرج لها شخصاً نادراً لم يسبق له الظهور، فمسني حينها بشكل مفاجئ شخصٌ لم أجرؤ على مواجهته ومخاطبته أبداً، شخص تجاهلته لسنين عديدة وحين مسني هذا الشخص همس لي بصوتٍ له نحيب ببيت لابن سهل الأندلسي قائلاً : تاقت إليك عجاف أنتِ يوسفها هلاّ رميت على العميان قُمصانا !

بالعادة عند حديثي مع الغرباء أظهر الشخص القوي مني فقط وأتحدث عن تجاربي التي كنت فيها أكثر قوة ليحتذي بي، ولأكون مصدر إلهام وقوة لكثير من الأشخاص. ولكن هنا قررت فقط أن أنتزع مني الشخص الضعيف وأخاطب بلغته فبدأت بسرد أكثر القصص ألماً بحياتي ، فلقد كنت أعصف وأرعد وأمطر لمدة ٤ ساعات متتالية دون توقف وهي فقط تنظر بابتسامه وهدوء وإنصات .

أي جرأة تحليت بها؟ وأي أمان وجدته بإنصاتها؟ لقد كنت أطير في سماء الحياة بجناح مكسور لذلك في كل مرة أقع متألمة وعند محاولتي للإقلاع مجدداً أحاول فقط الطيران بجناح قوتي متجاهلة جناح ضعفي، عند حديثي معها اكتشفت بأن جناحاي غير متكافئان لذلك لم أستطع الصمود. معها أعدت تعريف القوة والشجاعة واكتشفت بأن هذه الصفات لن يتحلى بها سوى الشخص القادر على الغوص بضعفه.

السؤال هنا!!

هل نحن أقوياء بما يكفي لنكون ضعفاء؟ أو لنكون حساسين هل نحن أقوياء لجعل أرواحنا تبكي؟

إجابتك وحدها هي من تجعلك الطائر الذي يطير باتزان وحرية في هذه الحياة.

هذه المرأة هي أكثر شخص غريب أستحق بأن أظهر أمامه وأنا متعريه من جميع البروتوكولات التي يتحلى بها أي شخص لينال شهادة الحسن والسلوك المجتمعية .

لقد كانت بالنسبة لي كالمحكمة وهي وحدها القاضي والشاهد والمحامي وهي التي أنصفتني بعد إنصات طويل قائلة حكمت المحكمة حضورياً بأن تكوني كاتبة.

امتناناً عميقاً وحُباً أعمق.. إلى الغرباء الذين يرون مالا نرى ..