الصمْت الأكثر حُضورًا
ذات صباح خريفي بعد أن أعدت جدتي القهوة العربية الخاصة بها والتي تستيقظ لإعدادها يومياً في تمام الساعة الخامسة فجراً لتحمس البن في مطبخها الصغير الذي لا يتجاوز المترين مساحةً والذي تتسابق فيه روائح البن والهيل والقرفة والزعفران هذه الروائح المنبه الصباحي للاستيقاظ بروح منتعشة مزاجياً ومسترخية روحياً.
أي صباح عَبقٍ هذا!! فاستيقظت مسرعة أتبع هذه الروائح الزكية فوجدتني أقف عند مدخل مطبخها الذي لا باب له من الأساس نظرت لجدتي فذهلت من هذه الأناقة! لقد ارتدت قميصها الأحمر المليء بالألوان وعلى معصمها إسواره من الفضة وأساور من الخرز الملون والخواتم التي لا أحصي عددها فالأصبع الواحد تضع فيه أكثر من خاتم، هذه الفتخاء تقف أمام موقدها القديم الذي لم تتخلى عنه من ٢٥ عاماً أو أكثر فهذا الموقد لايزال مشتعلاً حتى الآن!! بمجرد النظر إليه سترى بأنه يحتوي على ٤ مواقد ولكن ثلاثة منها فقط التي تسمح جدتي باستخدامها أما الموقد الرابع الموجود في الأعلى جهة اليمين هو الذي تُحذر أي شخص من استخدامه وتمنع الاقتراب منه ولا انسى المرة التي قادني فيها فضول الطفولة لمعرفة سبب هذا المنع فهمّمتُ على استخدامه وبمجرد ما وضعت يدي على الغاز لفتح هذا الموقد أتت يدٌ من خلفي بقوة عجيبة لتدفعني وتطفأ هذا الموقد وتصرخ بي!! ستسببين انفجارا!! وبكل ديكتاتورية تم طردي ونفييّ من هذه المملكة التي بمقدار جمالها كانت قسوتها ، فهذه المملكة التي يستطيع الجميع بأن يدخل ويخرج منها وإليها بلا تأشيرة ولكي يكون مستمتعاً فوق أرضها وتحت سمائها عليه فقط بعدم الاقتراب من الموقد الرابع وبما أنه لا يضيع صدى أي صوت قد مزق آذان الطفولة لازلت حتى الآن أقف وأنا أنظر وأتأمل من بعيد هذه المواقد التي كان سطحها أملساً والآن أصبح مليء بالخدوش والصدأ ولكنها مازالت مشتعلة كسابق عهدها معادا هذا الموقد الذي انطفأ وأبى أن يشارك المواقد الأخرى بأجمل اللحظات اشتعالاً والتي يعيشونها عند طهو طبق معين وخاصةً حين تعمل شعلة الموقد بمداعبة مكونات الطبق جاعلة منه أكثر ليناً وترابطاً وعندما يتحقق الانسجام بضحكات هذه المكونات التي تدفع بقوتها غطاء الطبق ليطير ويسقط أرضاً ، لتأتي بعدها جدتي مسرعة لتطفأ هذا الموقد المندفع قائلةً له :
على مهلك!! لا تستنفذ لهيبك حتى لاتصل الى الإفلاس عند طهو طبق آخر .
أهلاً بإدراك الحقائق هناك شيء ما!! جدتي لم تقل هذه العبارة عبثا هل من الممكن أن الموقد الرابع سبب انطفائه إفلاسه؟؟
هل مر بتجربة طهو طبق أكبر من أن تتحمله شعلة لهيبه فانطفأ؟ أو مر بتجربة طهو طبق أصغر لم يتحمل شعلة لهيبه فأحترق؟
أم كانت جدتي هي التي أطفأته بأعيينا وهو لايزال مُشتعلاً؟
فهذه العلاقة الصامتة بين جدتي والموقد هي أكبر أثر لملاحظة حضور الموقد الرابع عن غيره.
فالصمت أحياناً هو أشد اللحظات حضوراً وقُرباً