عندما تنظر ولا ترى

عندما تنظر ولا ترى

“هي علامة بأن الحياة سلكت به مسلكاً صحيحاً حين أتت به الى هنا”

 

هذا ما حدث في المكتبة التي اعتدت على زيارتها بين الحين والآخر فالمكتبات تتميز بلغة تختلف في تصنيفها من حيث ترتيب وتجميع الكتب على حسب درجة التشابه بينها وفصلها عن بعضها على حسب التباين بينها وهذه المكتبة تمتاز بالتصنيف التوسعي إنها تشبهني كثيراً في تصنيفها فهي مرنه وتتسع لكل كتاب جديد أُضِيف إليها. بينما كنت أتجول بين الأقسام رأيت رجلاً بيده مجموعة من الكتب ويبدو بأن اختياراته كانت عشوائية فهو يكتفي بالنظر فقط لإسم الكتاب فإذا أعجبه وضعه في السلة دون النظر لمحتواه يمشي بخطوات غير ثابتة وعندما نظرت من قرب فإذا به رجل أعرج وأعتقد بأنه رجل عنيد غير مبالي فلقد أتعب هذه القدم بالضغط عليها رغم ألمها حتى تصلبت شرايينه وأصبح متخبط الخطوات فخفت أن يتصلب فكره أيضاً من خلال اختياراته العشوائية للكتب فاقتربت منه بلطف وقلت عن أي كتاب تبحث؟ يبدو بأنها المرة الأولى التي تزور بها المكتبة ؟ قال : لا أعتدت على اقتناء كتب السياسة والأدب والفن فقلت جميل ولكن لو تنظر للافتة بالأعلى فأنا وأنت نقف في قسم الحنين إنه قسم جميل اختلطت به مشاعر الحزن والفرح وهو للتعبير عن الشوق لشيء جميل لا رجعة له ، لاوجود للسياسة والأدب والفن هنا فما الذي تشتاق إليه ؟ رد قائلاً : لا أعلم ولكن أعتقد لشيء يخلق بداخلي أشخاصاً آخرين قادرين على اقتناص الفرصة المناسبة للتواصل مع روحي أو شيئاً أكون معزولاً به وأقرب من روحي بكثير من أن أحظى بروابط مثيرة لاهتمامي مع أي شخص أجده ، فأنا محاصر بعلاقات مع أشخاص لا أجد الكثير لأقوله لهم لدي صداقات تتسم بالمرح في أغلب لحظاتها وهي ليست دليلاً على أنهم وجدوا ضالتي بل هذه الصداقة دليل على اليأس الممتد لتخبئة ما أحتاج فقلت له ما الذي يجعلك تعتقد بأن ضالتك هنا ؟ فقال لا أعلم فقط أحسست بذلك، فهذه المكتبة غريبة في أقسامها وكتبها وألاحظ بأن عدد زوارها قليل جداً فقلت له: لم يبلغ جميع البشر الوعي الصحيح للتعلم فنحن في المدارس والجامعات نتعلم كيف نتعلم ولكن لا نتعلم كيف نعيش.. واقتربت منه وقلت بصوتٍ خافت أنت يا سيدي لست بمكتبة.. أنت هنا في مصحة المجانين العقلاء هم ليسوا من المجانين المضطربين عقلياً بل هم نموذجاً لأكثر الكائنات البشرية تطوراً ونضوجاً لم يفهم ويبدو عدم الفهم واضحاً على وجهه لقد اتسعت عيناه وبدأ ينظر يميناً ويساراً ويرجع بخطواته للوراء وألقى بسلة الكتب التي بيده وهرب خائفاً!! نظرت وقلت يا لك من أحمق قد منحتك الحياة فرصة للنجاة وتركتها!! فضالتك كانت بيدك ولكن من المؤسف أنك تنظر ولا ترى.